أحمد بن محمد ابن عربشاه
545
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وعلمت أنّ فراقكم لا بد أن * يجرى له دمعي دما وكذا جرى وكان السلطان قد دانت له البلاد واستولى على أهل اليفاع والوهاد ، وأباد ملوك العجم وتفرد بسياسة تلك الأمم ، وتخت ملكه مملكة خوارزم ، وقد صمم العزم بجزم ، وحمل الناس على نزع الخلافة من آل عباس ووضعها في آل على ، وقد توجه إلى العراق بهذا القصد الجلى ، فوصل إلى حدود العراق وهو مجد على الاتفاق ، فوصل أولئك التجار إلى أنزار من صوب جنكز خان ، وبها من جهة السلطان نائب يدعى قاير خان ، فلما وصلوا إلى البلد أخبر بهم النائب الرصد ، فحبسهم عنده في مكان وأرسل يستأمر فيهم السلطان ، وبشع العبارة وشنع السفارة ، وذكر أنهم جواسيس تستروا بالتجارة ، وأن معهم من الأموال ما يوازى الرمال ويوازن الجبال مصراع « 1 » ، وما آفة الأخبار إلا رواتها . فأمره بقتلهم وأخذ ما معهم وسلبهم ، ففي الحال أبادهم وسلبهم طارفهم وتلادهم ، وأرسل المال إلى السلطان ، وأوصله حسبما رسم به إلى الديوان ، فطرحوه على تجار بخارى « 2 » ، وسمرقند ، كما يطرح على مساكين دمشق القند « 3 » ، واستخلصوا ثمنه بالظلم ، وزادوا عليهم فيه الغرم ، وكان سبب ذلك أن تاجرا عند قاير خان ، أراد أن لا يكون عند السلطان تاجر سواه ، فتبعه قاير خان لما أغواه ، فتعددت الأسباب وانفتح للشر أبواب ، وقالوا : شر أهر ذا ناب « 4 » ، فلم يفلت منهم سوى رجل واحد أنجاه الله من العدو والحاسد ، فاختفى واتصل إلى بلاده وأخبرهم بوقوع الأمر وفساده .
--> ( 1 ) المصراع : النصف . ( 2 ) بخارى : من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلها . وهي مدينة قديمة . وهي مجاورة لسمرقند . معجم البلدان ( 1517 ) . ( 3 ) القند : جمع قنود كلمة فارسية وهو عسل قصب السكر إذا جمد . ( 4 ) شر أهر ذا ناب : مثل يضرب في ظهور الشر وعلاماته وأماراته .